ترسم غادة عبد الفتاح، الكاتبة الفلسطينية، في هذا المقال صورة ثقيلة للحياة داخل غزة، حيث تختلط الحرب بالحياة اليومية حتى يفقد الزمن معناه.

 

تصف الكاتبة كيف تغطي الأنقاض كل زاوية، وكيف تحوّلت المباني إلى كتل خرسانية مشوهة، وتتحرك الناس ببطء بين الركام وكأنهم يمشون داخل ذاكرة مكسورة لا طريق واضح فيها.


تنقل النيويورك تايمز هذا المشهد بوصفه أكثر من مجرد دمار مادي، إذ تعيش غزة حالة مستمرة من الحرب رغم إعلان وقف إطلاق النار منذ ستة أشهر، حيث تستمر الضربات الجوية المتقطعة ويظل صوت الطائرات المسيّرة جزءًا من تفاصيل الليل، فيتحول الخوف إلى عادة يومية لا تنفصل عن التنفس.

 

الأنقاض كذاكرة حية للموت

 

تسرد الكاتبة قصة أمجد العف، الشاب الذي عاد إلى منزله بحثًا عن عائلته تحت الركام بعد قصف دمّر المبنى بالكامل. يروي كيف ظل لساعات عالقًا تحت الأنقاض ينادي أسماء أحبائه دون رد، حتى أدرك أن الصمت أصبح الإجابة الوحيدة.

 

تعكس قصته كيف تحوّلت فترات التهدئة إلى لحظات بحث عن الجثث، حيث يحاول السكان استعادة ما تبقى من أحبائهم بدل استعادة حياتهم.

 

تحمل الأنقاض في غزة معنى مزدوجًا، فهي ليست فقط بقايا منازل، بل قبور مفتوحة لأصحابها. يعيش الناجون بين ذكرياتهم المفقودة، ويستمرون في استحضار تفاصيل صغيرة مثل ملابس أو كلمات، وكأن التمسك بها محاولة أخيرة للحفاظ على إنسانيتهم وسط الفقد.

 

حياة معلقة بين البقاء والانهيار

 

 

تعكس قصة سهام الحايك وجهًا آخر للمعاناة، حيث تعيش في منزل مؤقت بعد أن فقدت شقتها التي كانت تمثل استقرارها وهويتها. تتحدث عن الحياة اليومية التي فقدت أبسط مقوماتها، حيث ترتفع الأسعار وتندر الموارد، وتتحول البيوت إلى ملاجئ مزدحمة، بينما تغيب المدارس ويبحث الناس عن طرق بدائية للبقاء.


تصف الكاتبة كيف تغيّر معنى الأشياء البسيطة، حتى المطر الذي كان رمزًا للحياة أصبح مصدر خوف يهدد الخيام بالانهيار. يعيش السكان حالة من التكيّف القاسي، حيث يتحول الامتنان إلى ضرورة نفسية للبقاء، رغم انهيار كل ما كان يمثل الحياة الطبيعية.


حرب لا تنتهي داخل الناس

 


تنقل الكاتبة مأساة سماهر مسلم التي فقدت ابنها وتبحث عن الآخر المفقود، في قصة تختصر مفهوم الفقد المستمر. تتداخل الأحداث في حياتها حتى يصبح الألم متكررًا بلا نهاية، حيث تتوزع العائلة بين الموت والاختفاء، وتبقى الأسئلة بلا إجابات.


تعكس هذه القصص كيف تغيّرت طبيعة الحرب، فلم تعد مجرد مواجهة عسكرية، بل حالة مستمرة تعيش داخل الأفراد. تتفكك العائلات تحت ضغط الخوف والجوع والنزوح، ويضطر الناس إلى اتخاذ قرارات قاسية مثل الانفصال بحثًا عن فرصة للبقاء.


ترى الكاتبة أن غزة تعيش اليوم نسخة مشوهة من الحياة، حيث تستمر الأنشطة اليومية وسط الدمار، ويبحث الناس عن الماء والكهرباء والطعام بينما يحاولون الحفاظ على ما تبقى من إنسانيتهم. تتساءل في النهاية كيف يمكن للناس أن يستمروا في الحياة بعد كل هذا، ليس فقط كيف ينجون من الحرب، بل كيف يعيشون بعدها.


تختتم المقالة برؤية قاتمة، حيث لا تمثل الأنقاض مجرد نهاية للماضي، بل إغلاقًا لأفق المستقبل، وتترك سكان غزة في حالة معلقة بين الحياة والموت، بين الذاكرة والواقع، وبين ما كان وما لن يعود.

 

https://www.nytimes.com/2026/04/10/opinion/gaza-cease-fire-death-israel.html